علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

241

البصائر والذخائر

عزّ وجلّ ولا تتجاوزوا في الاحتياط والحزم والترقيح « 1 » في المعيشة ما يليق بإيمانكم ويحفظ مروءاتكم . وقد قال بعض السلف : تعايش الناس ملء مكيال ، ثلثاه فطنة وثلثه تغافل . والعرب تعتدّ « 2 » في أمثالها قولها : الاستقصاء فرقة ؛ وقال جعفر ابن محمد الصادق عليهما السلام : عظّموا « 3 » أقداركم بالتغافل ، فقد قال اللّه عزّ وجلّ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ( التحريم : 3 ) . وقال المبرّد : قال اللّه تعالى وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ( البقرة : 267 ) . واعلم أنّ هذا التأديب يجمع خير الدّين وروح الدنيا ، ولهذا نرى أن المتكلمين في الدّين والمتجادلين بين المسلمين يأخذون أنفسهم وقرناءهم « 4 » في باب من الاستقصاء ضيّق ، لا يدخله المتطامن فضلا عن المنتصب . ولهذا « 5 » قلّ التألّه فيهم ، ورحلت هيبة اللّه عن قلوبهم ، وكثر التأويل في كلّ أمورهم عليهم « 6 » ، وطمع فيهم الشيطان في جميع أحوالهم . واللّه لقد تصفّحت خلقا لا أحصي عددهم ببغداد منذ سنة خمسين إلى يومنا هذا ، فما رأيت منهم من ترجى له السّلامة إلّا رجاء قليلا « 7 » ، منهم أبو القاسم الواسطي « 8 » ، بل هو أشفّهم فيما تجلّى للعين وظهر للحسّ « 9 » ، على أنه يرمى بالنّفاق ، ويقرف بالقبيح ، ولا سليم على

--> ( 1 ) الترقيح : إصلاح المعيشة . ( 2 ) ص : تعتدل ؛ م : تبتدل ( دون إعجام ) . ( 3 ) ص : أعظموا . ( 4 ) ص : لنفسهم وقرنائهم . ( 5 ) ص : وهذا . ( 6 ) عليهم : زيادة من م . ( 7 ) ص : إلا قليلا . ( 8 ) هذا الرأي - أن أبا القاسم الواسطي أفضل من رآهم أبو حيان من المتكلمين ببغداد - قاله أيضا في أخلاق الوزيرين ( 213 ) ، وهنالك أيضا قرنه بجعل كما يفعل هنا ؛ وانظر ترجمة أبي القاسم في البصائر 4 : ضمن حواشي الفقرة 423 . ( 9 ) م : للجبين .